الليالي الخالية من ابي… بقلم الشاعر عبد الزهرة خالد

الليالي الخالية من أبي
—————————
لا يفهمني أحد
إلا سواي وقبرك المكتظ بالأرواح
يساورني الشكُ في مفرداتٍ أنطلقت للتو
لمرورِ أربعة عشر نهرا
في أحدى مآقي الدموع ،
لا تفهمني لغةُ الرثاء
حينما ترتعش بي الأقلامُ وأنا معلقٌ بالأغصان
أناشدُ هزاتِ الرّيح
للسقوط في بئرِ الأحزانِ لفرط النّضوج .
أبي كنتُ أنتظرُ طولي يصبح مثل طولك
وألبس ثيابك لعلّها تليق عليَّ
لكن فشلت في تناولِ أطراف ظلّك
فالموت رسمَ الفجوةَ بين اليدين .
أبي كنتَ لي صندوقاً
يحتويني ويحتوي الكنوزَ التي لم تنته بعد
وآخر ما استعملت
درعَ القسوةِ وأفصاصَ الصبر
وعلبَ التدخينِ أواجه بها
 غربةَ الأرضِ أينّما تكون وكيفما تبدو
سافرتُ وعدتُ بخفي أنين
أرى من بعيدٍ روحكَ تلوّحَ للأخيار
تريدُ أن يعودوا إليكَ بدلةَ الصحراء
( والسدارة ) ذات الخط الأخضر
لم يكن الربيع قد انتهى بانتهاءِ السّحاب
حتى تدفقت أخبارُ الطيورِ من الريشِ إلى الريش
هناك وطنٌ غادرنا
ودجلة مذبوحةٌ بخناجر من حجر
أبتي كبرَ الأحفادُ وغدوا أعقل مني بكثير
وأدهى مني حتى الصغار 
 يعرفون كيف يربحون في تجارةٍ تبور
بينما أنا أقتفي أثرك في بقايا عيدان الثقاب
 وحكايات ثورة الأحرار ،
لقد طالَ السفرُ واضمحلَ الطريق
في أيةِ محطة نلتقي 
أم هناك فضائل تقصي اللقاء
أشكو إليك ما جرى وما صار في الجوامع
وساحاتِ الطيران وعصا الطبول
هرمتُ ومازال الفراغُ يغتالُ فراغي
برصاصاتِ الوحدةِ وهفواتِ العمر البائن
هرمتُ وأنا محمولٌ على دراجتك الخضراء
وفي كفي ( فرارة الورق ) تدور كلّما يصفعها الهواء ،
هرمتُ لهذا اليوم القاسي وأنا أكتب
مباشرةً كيف ذهبت مجبراً
الى ديارِ القفارِ تسكن في خيام الصقيع ،
اغفرْ لي مثلما غفرت لغيابك
اغفرْ لضحكاتي حيث كنتُ أعيب عليك سراً
عندما تصحو مبكراً صحبة الشاي ولفاف السكائر
حتى في الإجازةِ لم يفارقك الصحو
أذكر نهوضكَ فجر اليوم الأول من ( مايو )
تنتظر راتبك التقاعدي أمام بوابة المصرف
وتاه عيد العمال من تقاويمك ،
هكذا صرتُ مثلكَ أنهضُ بلا منبهٍ 
أسامرُ الندى الغافي فوق أوراق الخريف
أصبحتُ من بعدك أحرس الدار
وأغلق البابَ وارءَ الليلِ جيداً لأنك لن تعود
لم تعاتبني يوماً حينما أعود متأخرا
رفقة أصحابي كأنك تعرف بماذا يجود الحضور
لا تقلق لن أخرج بعد أشراً ولا بطراً
إلا لقضاء الحاجات
منها مناديل تشفي غليلَ الوجنات ،
الدمعات حائرات ، الوريقات الساهرات ،
أبي لقد ضاعت لوحة قبرك بين زحمة الأموات
طال الدرب على عافيتي كيف السبيل
ما الوسيلة ؟  … دلّني إليك
 لقد حطم العكازةَ أصغرُ  الأحفاد
تعال لي ولو مثل الطيف
في أمسيةٍ فارغةٍ من صرير الغابة
أخبرني كيف عندكم السمر ؟
دعني عنك لحظة  ، يبدو لي أنّي مللت الكتابة ..
………………………
عبدالزهرة خالد
البصرة /٣٠-٥-٢٠١٩

ذكرى وفاة والدي في ٣٠-٥-٢٠٠٥
الله يرحم أمواتنا وأمواتكم جميعا..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سافرت نحوك....بقلم عيسى جرابا

قل لي يا قلم… كلمات الشاعر نافز ظاهر

اجازة... علاء، عطية علي