قرية العنين... قصة ل سالم المتهني
قرية العنين ( قصة قصيرة )
أرض تحيط بها الجبال من كل جانب و تنتشر في دروبها و منحدراتها الصخور الصلدة و الحجارة الصلبة القاسية، و على جنبات الطرق الحسك و الصبار ، و أشجار النخيل توزعت أزواجا متباعدة كأياد ضارعة إلى السماء. في هذه الأرض الحزيز العطشى المليئة بالأخاديد انتشرت بيوت منخفضة صفراء حزينة...
قرية العنين هجرها شبابها و لم يبق إلا الشيوخ و العجائز. و كان كبير القرية عبد السميع معمرا جاوز التسعين، أبى أن يتخذ له بيتا أصفر و اختار العيش في كهف جبل برفقة كلب و عنزة، يعيش مما يحمله إليه زائروه من طعام و ماء احتراما و تبجيلا، كان يقضي ساعات طويلة في كهفه بجانب صندوقه المملوء بصحف صفراء، يطالعها حينا و يحفظها معظم الأحيان بكل عناية، يحميها من التلف و كأنها كنز ثمين.
و كان زائروه ينظرون إلى الصندوق بإجلال و ينظرون إلى كبيرهم نظرتهم إلى مقدساتهم، يهرعون إليه في ملماتهم و يسترشدونه في ما أشكل عليهم و كان لا يبخل عليهم بالنصح و التوجيه بعبارات وجيزة تترسخ في أذهانهم فيرددونها كحكم أثيرة، تحفظ و تلقن و يقيسون عليها مواقفهم و ردود أفعالهم و طرق مجابهتهم لما يعترضهم في حياتهم من المشكلات.
في إحدى زياراتهم للشيخ عبد السميع سأل الشيخ متولي كبيرهم:
- ما مصيرنا يا شيخ عبد السميع؟ طال الجفاف و شحت الموارد .
فأجابه:
-إن السنين العجاف اختبار لإيمانكم و عزمكم و صبركم، من تحمل نجا و من تذمر تردى، فاستغفروا الله كثيرا و انتظروا عفوه و صفحه و اعملوا صالحا و اتقوا الله و أكثروا من الصدقات و تجلدوا.
فتكلم الشيخ خميس سائلا:
- و شبابنا الذين هجروا القرية؟ ما مصيرهم؟ هل سيعودون؟
- سيعودون عندما يملون الغربة و يهزهم الحنين إلى أوطانهم.
غادر الشيوخ الكهف و هم يخفون امتعاضهم عن الشيخ عبد السميع، و قال الشيخ متولي في نفسه " و هل كنا نجد ما نأكل حتى نتصدق؟ " و قال الشيخ خميس محدثا نفسه " كيف سيحن شبابنا إلى قريتنا؟ و إلى ماذا سيحنون؟ إلى البيوت الخربة أم إلى وجوه الشيوخ البائسة؟ "، أما بقية الشيوخ فلم يحدثوا أنفسهم بشيء بل كانوا يستغفرون و هم يتوجسون خيفة أن تزداد الأمور سوءا.
في ضحى يوم لا يذكر أحد تاريخه هبت على القرية عاصفة رملية ذرت التراب في كل اتجاه ، فاصفر الفضاء حتى لا يكاد الواحد يرى رفيقه الذي بجانبه، لزم الناس بيوتهم و أوى من كان في الدروب إلى أحواشهم مسرعين يتحسسون الطريق كالعميان، و أوصدت الأبواب بإحكام و استمرت العاصفة الرملية في هيجانها و بدا صفير الريح كعواء ذئاب تتضور جوعا، و ظل نواحها يقوى و يخفت كأنه صوت نابع من الأزل يروي أوجاع الأرض و أشجانها، ندبة ثكلى متوجعة فقدها.
الشيخ عبد السميع متكور على صندوقه يردد أدعية و يستغفر الله من كل ذنب. أغمض عينيه و ترك خياله يطوف بعيدا عن الكهف، تجول في القرية و رأى البيوت الموصدة و الدروب المقفرة و رأى النخيل الضارع إلى السماء تعبث به الريح فيتمايل جريده كرأس امرأة حررت خصلات شعرها في رقصتها على إيقاع نوبة صوفية و هي متخمرة، تطلب خلاصا لروحها من جسد أثقل عليها برغائبه الجامحة.
طاف الشيخ بخياله كل أرجاء القرية و ذهب بعيدا و لحق بشبابها في المدن البعيدة و صافحهم واحدا واحدا و اعتذر إليهم و لم يطلب منهم العودة.
استفاق الشيخ من غفوته، نظر إلى مدخل الكهف، لم ير نورا أو بصيصا من نور فقد انسد المدخل بالرمال.
ولما هدأت العاصفة رام سكان القرية فتح أبواب بيوتهم فلم يقدروا، فقد تراكمت الرمال على الأبواب و استحال فتحها.
تأليف:سالم المتهني(تونس )
تعليقات
إرسال تعليق