اخلاقيات الاسلام... صخر العزة

 أخلاقيات الإسلام  

إن عوامل نهوض أي أمة هما عاملاين رئيسيان مترابطان وهما الأخلاق والدين ، والدين يُرسخ القيم والأخلاق ويُهذبها ، والأخلاق هي عنوان الشعوب ، وقد نادت بها الأديان المختلفة ، وهي أساس كل حضارة ، والأخلاق لها دورٌ كبير في تغيير واقع الأمم ، ورسولنا الكريم بُعث برسالته إلى البشرية كافة ، فقد قال : ( إنما بُعثت لأُتمم مكارم الأخلاق ) فهو هنا يقول أن الغاية من بعثته هو إتمام مكارم الأخلاق في أمته الإسلامية ، وهي مفتاح الطريق أمام الإنسان للسعادة والهناء والرضا في الدنيا والآخرة ، ومن أهم مكارم الأخلاق التي دعا إليها الإسلام ورسخها كنهج ثابتٍ في كل تعاملات الحياة ، وقد تطرقت لها في بعض مقالاتي السابقة وهي كثير ، أذكر منها  : ( الصدق والأمانة والصبر والحُلم ، والعفو والتسامح ، والوفاء والمروءة ، والعدل ..... إلخ ) من صفات حميدة ، وتتسم هذه الأخلاق الإسلامية بالسهولة والمرونة وهي صالحة لكل زمانٍ ومكان ، وهذه الأخلاق هي مبادئ تُرضي الروح وتنفع القلب وتقود الإنسان إلى الطريق الصحيح الذي فيه السعادة والخير وراحة النفس .

والموضوع الذي أرغب في التحدث عنه يشتمل على ثلاثُ صفات عظيمة مترابطة تخصُّ الإنسان وهبها الله للإنسان ،  وصفة رابعة تخصه وحده جلَّ جلاله  ، ونحن في هذا الزمن الذي كثُرت فيه المشاحنات بين الناس كأفراد وكمجتمعات بحاجة ماسة إلى أن نتحلى بها ، وهذه الصفات لها من أسماء الله نصيب وهي العفو والتسامح والصفح والرابعة وهي المغفرة التي بيد الله وحد يمنُّ بها على عباده المؤمنين  ، وهذه الصفات هي مصابيح وأنوارٌ للرحمة والمغفرة ، وتخُصُّ تعاملات الناس مع بعضهم البعض ، وتُثبت معنى الرحمة والتراحم فيما بينهم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنَّ لِلَّهِ مِئَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ منها رَحْمَةً وَاحِدَةً بيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الوَحْشُ علَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَومَ القِيَامَةِ ) .

 وهذه الصفات وكباقي الأخلاق الإسلامية مصدرها الوحي ، فهي قيمٌ ثابتة ، ومُثُل عليا تصلح لكل إنسان بغضِّ النظر عن جنسه وزمانه ومكانه ونوعه ، ومصدر الإلتزام بها هو شعور الإنسان بمراقبة الله عزَّ وجلْ . فهذه الصفات الثلاث هي أخلاقٌ كريمة تحتاجها النفس لتتخلص من كل الشوائب التي قد تعلق بها ، وذلك من أجل أن ينعم أفراد المجتمع بالخير والحب وانشراح الصدر ، وهذه الصفات لا تتحقق إلا بالصبر وكظم الغيظ واحتساب الأجر عند الله ، وعلينا أن نعرف أن الإنسان غير معصوم عن الخطأ والأيام تدور وقد تقع أنت في موقف تحتاجُ فيه إلى المسامحة والعفو،  وعلينا أن نتعرف على معاني هذه القيم الجميلة ، فالعفو هو التجاوز عن المذنب تماماً بترك مؤاخذته وعقابه ، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح  ، قال تعالى في سورة آل عمران –الآية 134 :  { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه-رواه مسلم  : ( مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ ) أما التسامح فهي مرتبطة بالعفو ، فالعفو عند المقدرة ،  وعدم رد الإساءة بمثلها والترفُع عن الصغائر ، والسمو بالنفس إلى مرتبة أخلاقية عالية ، تؤدي إلى تحقيق وحدة وتماسك المجتمع والقضاء على الخلافات بين أفراد المجتمع جميعاً ، أما الصفح فهو خلق إنساني رفيع وهو أبلغ من العفو والتسامح بالتجاوز عن الذنب ويشمل ترك العقاب وترك اللوم  كُليةً والتجاوز عن المذنب تماماً بترك مؤاخذته وعقابه ، قال تعالى في سورة البقرة – الآية 109 : {فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 

ويأتي بعد ذلك الغفران وهذا مقرون بالله وحده فهو الذي يغفر الذنوب للناس جميعاً ، والغفران يقتضي إسقاط العقاب ؛ وإسقاط العقاب هو بإيجاب الثواب ، ولا يستحق الغفران إلا المؤمن المستحق للثواب ، قال تعالى في سورة النساء – الآية 110 : {  وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا }

إن كل إنسان يعيش في هذه الحياة ويتصل بالناس لا بد أن يتعرَّض للإساءة ،  ولا يُمكن أن تبقى الحياة على وتيرة واحدة ، فعلى الإنسان إن حصل ذلك معه أن يسمو على الألم وليعفو ويصفح ، وليعلم علم اليقين أنه ستنقلب العداوة بينه وبين من كان طرفاً في مشكلة ما إلى صداقة وأخوة ومحبة ، فحُسن الخُلُق يوجب الأُلفة والمحبة بين الناس  ، قال تعالى في سورة فصلت – الآية 34 : { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }.

وأخيراً أقول أن الله كرَّمنا وأعزَّنا بالإسلام ، وما وصلت إليه أمتنا الإسلامية السابقة من مجد ورفعة ، إلا بتمسكنا بهذا الدين الحنيف الذي أتى للناس كافة وحمل رسالته سيدنا محمد بوحيٍ من الله ، فوحد أُمة الإسلام وربى جيلاً من الصحابة أكملوا المسيرة بعده وكان النصر في ركابهم أينما حلَّوا ، لأنهم كانوا كلهم كالجسد الواحد فكانوا أمة يتجسدُ فيهم روح الإسلام وأخلاقه قولاً وعملاً وشرعة ومنهاجاً وسلوكاً ، وإذا أردنا الإنتصار ، علينا أن نتمسك بدينا ونتوحد لمواجهة كل متربص بنا ، لأن تفرقنا وتمزقنا شيعاً وجماعات لا يخدم إلا أعدائنا وأعداء ديننا  ، وعلينا أن نقرأ ونتدبر قول الله تعالى في سورة الأنعام – الآية 159 : {  إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }

    

صخر محمد حسين العزة 

عمان – الأردن 

26 / 7 / 2022

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

سافرت نحوك....بقلم عيسى جرابا

قل لي يا قلم… كلمات الشاعر نافز ظاهر

اجازة... علاء، عطية علي